القرطبي

436

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال مجاهد : لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ركب الامر ، فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل ، وقد مضى هذا المعنى في " النساء " ( 1 ) وقيل : من آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهل . ( فإنه غفور رحيم ) قرأ بفتح " أن " من " فإنه " ابن عامر وعاصم ، وكذلك " أنه من عمل " ووافقهما نافع في " أنه من عمل " . وقرأ الباقون بالكسر فيهما ، فمن كسر فعلى الاستئناف ، والجملة مفسرة للرحمة ، و ( إن ) إذا دخلت على الجمل كسرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف فكسرت لذلك . ومن فتحهما فالأولى في موضع نصب على البدل من الرحمة ، بدل الشئ من الشئ وهو هو فأعمل فيها ( كتب ) كأنه قال : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل ، وأما ( فإنه غفور ) بالفتح ففيه وجهان ، أحدهما : أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر ، كأنه قال : فله أنه غفور رحيم ، لان ما بعد الفاء مبتدأ ، أي فله غفران الله . الوجه الثاني : أن يضمر مبتدأ تكون ( أن ) وما عملت فيه خبره ، تقديره : فأمره غفران الله له ، وهذا اختيار سيبويه ، ولم يجز الأول ، وأجازه أبو حاتم . وقيل : إن ( كتب ) عمل فيها ، أي كتب ربكم أنه غفور رحيم . وروي عن علي بن صالح وابن هرمز كسر الأولى على الاستئناف ، وفتح الثانية على أن تكون مبتدأة أو خبر مبتدأ أو معمولة لكتب على ما تقدم . ومن فتح الأولى - وهو نافع - جعلها بدلا من الرحمة ، واستأنف الثانية لأنها بعد الفاء ، وهي قراءة بينة . قوله تعالى : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ( 55 ) قوله تعالى : ( وكذلك نفصل الآيات ) التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني ، والمعنى : وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نفصل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين ، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل .

--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 92 .